برشلونة – كتالونيا بالعربي | 6 أكتوبر2026
اختتمت في مدينة تاراغونا الأسبوع الماضي 2026 النسخة الثلاثين من مسابقة الكاستيلس (Concurs de Castells)، إحدى أبرز المناسبات المرتبطة بهذا التقليد الكتالوني، بفوز Castellers de Vilafranca للمرة الرابعة عشرة، بعد منافسة حُسمت في الجولة الأخيرة ببرج بشري غير مسبوق من نوع 9d9f. وتشارك في عالم الكاستيلس اليوم أكثر من 100 فرقة في الأقاليم الكتالونية، ويشارك فيها نحو 13 ألف شخص، وفق بيانات حديثة لوزارة الثقافة في حكومة كتالونيا. ويعود هذا التقليد إلى أكثر من 200 عام، قبل أن تدرجه اليونسكو عام 2010 في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
من تقليد شعبي إلى رمز ثقافي لكتالونيا
الكاستيلس، أو الأبراج البشرية، ليست مجرد استعراض للقوة البدنية. يقوم المشاركون، المعروفون باسم Castellers، ببناء برج من البشر يقف فيه المشاركون على أكتاف بعضهم بعضاً، ويمكن أن يتراوح ارتفاع البناء بين ستة وعشرة مستويات.
وتبدأ العملية من القاعدة، المعروفة باسم Pinya، وهي تجمع بشري واسع يوفر الدعم للبرج. ثم يرتفع جسم البرج، قبل أن تصل إلى المستويات العليا مجموعة أصغر وأخف وزناً، بينما يتولى الأطفال عادة المستويات الثلاثة العليا المعروفة باسم Pom de Dalt. وترافق عملية البناء موسيقى تقليدية بآلة النفخ Gralla، التي تساعد على ضبط إيقاع الحركة.
وتقوم هذه الممارسة على قواعد تقنية دقيقة، لكن قيمتها الثقافية تتجاوز الجانب الرياضي. فالخبرة اللازمة لبناء الأبراج تنتقل من جيل إلى آخر داخل الفرق، فيما يمكن لأي شخص المشاركة في قاعدة البرج ودعمها، وهو ما جعل الكاستيلس مرتبطة بمفاهيم التعاون والتماسك الاجتماعي والانتماء المحلي.
جذور تعود إلى القرن الثامن عشر
تعود أقدم الإشارات إلى الأبراج البشرية في كتالونيا إلى القرن الثامن عشر، عندما كانت أبراج من شخصين أو ثلاثة أشخاص تشكل خاتمة Ball de Valencians، وهو تقليد احتفالي كان منتشراً خصوصاً في مناطق تاراغونا.
ومع مرور الوقت انفصل بناء الأبراج عن الرقصة وتحول إلى نشاط مستقل، وبدأت الفرق تتنافس على بناء أبراج أعلى وأكثر تعقيداً. وتوثق حكومة كتالونيا أول أداء معروف للكاستيلس في وثيقة تعود إلى عام 1791. كما تشير سجلات تاراغونا إلى وجود برج من سبعة مستويات في المدينة عام 1802.
شهد التقليد توسعاً خلال القرن التاسع عشر، قبل أن يتراجع في بدايات القرن العشرين، ثم يستعيد زخمه منذ ستينيات القرن الماضي. ومنذ تسعينيات القرن العشرين دخل الكاستيلس مرحلة جديدة اتسمت بظهور فرق جديدة ذات تركيبة شابة ومتعددة الثقافات، إلى جانب تحقيق أبراج أكثر تعقيداً وانتشار العروض عبر التلفزيون.

تاراغونا.. حيث تتحول المنافسة إلى حدث جماهيري
تمثل تاراغونا واحدة من أهم المدن المرتبطة بالكاستيلس، ولذلك تستضيف كل عامين Concurs de Castells، الذي وصل في 2026 إلى نسخته الثلاثين.
وشهدت نسخة هذا العام ثلاث جولات: الأولى في توريديمبارا في 27 سبتمبر، ثم جولتان في Tarraco Arena في تاراغونا يومي 3 و4 أكتوبر. وبلغ عدد الفرق المشاركة في النسخة النهائية 42 فرقة، جرى اختيارها وفق تصنيف يعتمد على أداء الفرق خلال الفترة السابقة للمسابقة.
وفي الجولة الأخيرة يوم 4 أكتوبر، كانت المنافسة الرئيسية بين Castellers de Vilafranca وColla Vella dels Xiquets de Valls، قبل أن تحسم في اللحظات الأخيرة.
ونجحت Castellers de Vilafranca في إنجاز 9d9f، أي برج مؤلف من تسعة مستويات وتسعة أشخاص في كل مستوى، مع استخدام الـ«فولري» لدعم البنية. وبحسب الجهة المنظمة، كان هذا البناء الأول من نوعه الذي يُنجز بالكامل، وهو الإنجاز الذي منح الفريق الفوز بالمسابقة للمرة الرابعة عشرة. وحلت Colla Vella dels Xiquets de Valls في المركز الثاني، فيما جاءت Colla Jove Xiquets de Tarragona ثالثة.
أما في جولة السبت، فقد حققت Marrecs de Salt أول برج 4d9 amb folre في تاريخها، وهو إنجاز آخر من الإنجازات التي ميزت نسخة 2026.
نجح الفريق في بناء 9d9f، أي برج بشري من 9 أشخاص في كل مستوى و9 مستويات ارتفاعاً، مع طبقة دعم بشرية إضافية تُعرف باسم «الفولري» (folre) حول الجزء السفلي من البرج. بمعنى آخر، نحن لا نتحدث عن برج من تسعة أشخاص، بل عن هيكل بشري من تسعة طوابق، يضم عشرات المشاركين، مع نظام دعم إضافي في قاعدته.
ماذا تعني أرقام الكاستيلس؟
توضح أرقام هذا التقليد حجم المنظومة التي تقف خلف ما يبدو للزائر في الساحة وكأنه عرض قصير.
وتشير وزارة الثقافة في حكومة كتالونيا إلى وجود أكثر من 13 ألف مشارك ونحو 100 فرقة، فيما تُبنى آلاف الأبراج سنوياً. وتختلف الأرقام المنشورة بحسب سنة الإحصاء وطريقة احتساب الفرق والأبراج؛ إذ تشير صفحة أخرى للتراث الثقافي الكتالوني إلى أكثر من 12 ألف مشارك وأكثر من 12 ألف برج سنوياً، ولذلك ينبغي تجنب تقديم رقم واحد باعتباره إحصاءً ثابتاً لجميع السنوات.
هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن الكاستيلس ليست نشاطاً هامشياً مرتبطاً بمهرجان واحد، بل شبكة من الفرق والتدريبات والعروض تمتد على مدار العام. كما أن المشاركة لا تقتصر على فئة اجتماعية واحدة. وتشير حكومة كتالونيا إلى ظهور فرق ذات طابع شاب ومتعدد الثقافات خلال مرحلة ازدهار الكاستيلس الحديثة، وهو ما ساهم في استمرار التقليد وتوسعه.

لماذا أدرجتها اليونسكو ضمن التراث غير المادي؟
في 16 نوفمبر 2010، أدرجت اليونسكو «الأبراج البشرية» أو Human Towers – Castells في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
ولم يكن سبب الاعتراف هو ارتفاع الأبراج أو صعوبة بنائها فقط. فقد ركز تقييم اليونسكو على البعد الاجتماعي والثقافي للممارسة: نقل المعرفة بين الأجيال، التعاون بين المشاركين، الإحساس بالاستمرارية، والتماسك والتضامن داخل المجتمع.
وهنا تكمن خصوصية الكاستيلس: البرج نفسه مؤقت، ويمكن أن ينهار خلال ثوانٍ، لكن القيمة التي تحاول هذه الممارسة الحفاظ عليها هي شبكة العلاقات والمعرفة التي تجعل بناءه ممكناً مرة أخرى.
ماذا تعني الكاستيلس للسياحة في كتالونيا؟
بالنسبة إلى الزائر العربي، تقدم الكاستيلس مدخلاً مختلفاً إلى كتالونيا لا يعتمد على المعالم السياحية التقليدية في برشلونة.
فالعروض تقام عادة ضمن الاحتفالات المحلية وفي الساحات العامة، وتتيح للزائر مشاهدة ممارسة ثقافية حية مرتبطة بالمدينة والمجتمع، بدلاً من زيارة موقع تاريخي ثابت فقط. وتاراغونا وفالس ومناطق أخرى من كتالونيا تشكل نقاطاً مهمة في جغرافية هذا التقليد.
ومن منظور سياحي، يمكن النظر إلى الكاستيلس باعتبارها جزءاً من السياحة الثقافية التي تجمع بين زيارة المدن والمهرجانات والتقاليد المحلية. وهذا مهم خصوصاً لمن يبحث عن تجربة تتجاوز برشلونة إلى مدن وبلدات أخرى في كتالونيا.
أما بالنسبة إلى الشركات العاملة في السياحة والضيافة، فوجود مثل هذه الفعاليات يوفر محتوى ثقافياً يمكن دمجه ضمن برامج الزيارة، خصوصاً عندما تتزامن الرحلات مع المهرجانات والاحتفالات المحلية. وهذه نقطة تحليلية وليست نتيجة مباشرة لبيانات اقتصادية عن عوائد الكاستيلس.
الكاستيلس بين التراث والاقتصاد المحلي
لا تتوفر في المصادر التي تم التحقق منها هنا بيانات كافية تسمح بإسناد رقم محدد إلى الأثر الاقتصادي المباشر للكاستيلس على السياحة أو الفنادق أو الإنفاق المحلي. لذلك لا يصح وصفها بأنها «محرك اقتصادي» أو تقدير قيمة اقتصادية لها من دون دراسة متخصصة.
لكن يمكن تحديد أثر سياحي واضح على مستوى طبيعة المنتج الثقافي: الكاستيلس تضيف فعاليات وتجارب محلية إلى العرض السياحي في المدن الكتالونية، وتدفع جزءاً من الاهتمام الثقافي خارج برشلونة، خصوصاً في مناطق مثل تاراغونا وفالس.
وهذا ينسجم مع التحول الأوسع في السياحة من زيارة المعالم إلى البحث عن تجارب محلية وثقافية، لكن الربط بين هذا الاتجاه والكاستيلس تحديداً يبقى تحليلاً وليس رقماً مثبتاً في المصادر المستخدمة لهذا الخبر.
الكاستيلس بالأرقام
- أكثر من 200 عام: عمر تقليد الأبراج البشرية في كتالونيا.
- 1791: أقدم أداء معروف موثق للكاستيلس وفق حكومة كتالونيا.
- 1802: توثيق أول برج من سبعة مستويات في تاراغونا.
- 2010: إدراج الكاستيلس في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
- أكثر من 13 ألفاً: عدد المشاركين وفق بيانات حكومة كتالونيا المنشورة في 2025.
- نحو 100 فرقة: وفق المصدر نفسه.
- 42 فرقة: شاركت في النسخة الثلاثين من مسابقة تاراغونا عام 2026.
- 14 مرة: عدد مرات فوز Castellers de Vilafranca بمسابقة تاراغونا بعد تتويجها في نسخة 2026.
- 9d9f: البرج الذي حسم نسخة 2026، وكان إنجازه كاملاً للمرة الأولى.
الكاستيلس ليست مجرد أبراج بشرية يرفعها المشاركون خلال الاحتفالات. إنها تقليد كتالوني عمره أكثر من قرنين، تطور من ممارسة احتفالية محلية إلى تراث ثقافي معترف به دولياً.
وتظهر نسخة تاراغونا لعام 2026 أن التقليد لا يزال يتطور فنياً وتنافسياً؛ فقد حُسمت المسابقة بإنجاز جديد، في حين استمرت عشرات الفرق في ممارسة هذا التقليد عبر كتالونيا. وبالنسبة للزائر، تمثل الكاستيلس واحدة من الطرق الأكثر مباشرة لفهم الثقافة المحلية خارج الصورة السياحية التقليدية لبرشلونة.
للشراكات والتعاون الإعلامي: partners@catalunyaenarab.com
لترتيب لقاءات عمل بين الشركات والمزيد من المعلومات، تواصلوا معنا مباشرة عبر واتساب
المصادر:







