Uncategorized

إسبانيا تحتفل: من الأندلس إلى كتالونيا صناعة كاملة

لا توجد تعليقات

برشلونة 2026/08/14

  • الاحتفالات الشعبية في إسبانيا تتحول إلى محركات اقتصادية وسياحية

الساعة تقترب من العاشرة صباحاً في ساحة سان جاومه وسط برشلونة، والحشد صامت فجأة رغم اكتظاظه. يبدأ المشاركون في التقدم إلى نصف الميدان، شباب ورجال، مراهقون وأطفال، يقفون فوق أكتاف بعضهم بعضاً، طبقة فوق طبقة، حتى يصل الطفل الأصغر في الفريق إلى القمة ويرفع يده علامة الإنجاز، فينفجر الميدان بالتصفيق قبل أن تبدأ اللحظة الأخطر: تفكيك البرج البشري طبقة بطبقة من دون سقوط واحد.

هذا المشهد يتكرر كل أواخر سبتمبر في مهرجان لا ميرسيه، وهو لحظة واحدة فقط من موسم احتفالي إسباني طويل يمتد من فيريا إشبيلية في الربيع إلى معركة الطماطم في فالنسيا في أواخر الصيف، ومن ساحات قرى وبلدات كتالونيا مع الدمى العملاقة “الجغان” إلى مسرح غران تياترو فايا في قادس حيث تُصقل كل عام أغنية ساخرة جديدة أمام لجنة تحكيم رسمية. ما يجمع هذه المشاهد المتفرقة زمنياً ومكانياً ليس التوقيت بل المسار نفسه: كل احتفال منها بدأ تقليداً محلياً متواضعاً، غالباً بلا أي طموح اقتصادي، ثم صقلته الأجيال المتعاقبة عاماً بعد عام، مثل مقطوعة موسيقية تُعاد كتابتها كل موسم بيد جديدة حتى تتحول إلى فعالية سياحية موثّقة تُقاس اليوم بملايين اليورو وآلاف فرص العمل.

تكشف الاحتفالات الشعبية في إسبانيا عن نموذج اقتصادي يتجاوز قيمتها الثقافية؛ فالمهرجانات التي نشأت في كثير من الحالات كتقاليد محلية أصبحت اليوم جزءاً من منظومة السياحة والضيافة والتجارة والإنتاج الثقافي. ففي 2025، ولّد مهرجان سان فيرمين في بامبلونا أثراً اقتصادياً بلغ 259.4 مليون يورو، بينما قدرت دراسة حول لاس فاياس في فالنسيا أثر المهرجان بنحو 732.6 مليون يورو في 2023. وعلى المستوى الوطني، ساهم النشاط السياحي في إسبانيا بـ200.7 مليار يورو، أي 12.6% من الناتج المحلي الإجمالي، خلال 2024.

لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة. ما يميز التجربة الإسبانية هو قدرة هذه الاحتفالات على التطور من جيل إلى آخر، مع الحفاظ على هويتها المحلية وبناء قطاعات اقتصادية كاملة حولها.

من تقليد محلي إلى أصل اقتصادي

تعمل هذه المهرجانات داخل قطاع سياحي يمثل وزناً كبيراً في الاقتصاد الإسباني. ووفق أحدث حسابات السياحة الوطنية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء الإسباني، بلغت مساهمة النشاط السياحي 200.699 مليار يورو في 2024، أي 12.6% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تجاوز عدد الوظائف في الأنشطة السياحية الأساسية 2.7 مليون وظيفة.

وفي 2025 أنفق السياح الدوليون في إسبانيا 134.7 مليار يورو، بزيادة 6.8% عن 2024، بينما اقترب عدد الوافدين الدوليين من 96.8 مليون سائح.

هذه الأرقام لا تعني أن كل يورو من الإنفاق السياحي مرتبط بالمهرجانات، لكنها توضح البيئة الاقتصادية الكبيرة التي تعمل داخلها الفعاليات الثقافية.

مشاركون في تقليد الأبراج البشرية Castells في كتالونيا يبنون برجاً بشرياً متعدد الطبقات وسط حشد من الجمهور
الأبراج البشرية Castells.. تراث كتالوني حي تنتقل مهاراته من جيل إلى آخر، وأدرجته اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية

الأبراج البشرية.. تقليد يتطور ولا يتجمد

نعود إلى كتالونيا وأبراجها البشرية، ونشرح كيف يصبح التراث منتجاً حياً، واحد من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك في كتالونيا تقليد Castells، أو الأبراج البشرية.

تتكون الأبراج من مجموعات من المشاركين يقفون فوق أكتاف بعضهم بعضاً في طبقات متتالية، ويمكن أن يصل البرج إلى ستة أو عشرة مستويات. وتؤكد اليونسكو أن المعرفة المطلوبة لبناء هذه الأبراج تنتقل من جيل إلى آخر داخل الفرق، ولا يمكن اكتسابها إلا بالممارسة.

وفي عام 2010 أدرجت اليونسكو الـCastells في قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

لكن أهمية التقليد لا تكمن في إدراجه على قائمة التراث وحدها.

فالمنظومة المحيطة به منظمة أيضاً؛ إذ تجمع Coordinadora de Colles Castelleres de Catalunya نحو 100 فريق، وتعمل على الترويج للتقليد، وحماية مصالح الفرق، وتشجيع ممارسات السلامة والحفاظ على هذا التراث.

وهنا يظهر الفرق بين التراث بوصفه “قطعة من الماضي”، والتراث بوصفه ممارسة حية.

كل جيل يتعلم التقنية، ويضيف إليها خبرته، وتستمر الفرق في التدريب والمنافسة والتطور.

العمالقة في برشلونة.. ستة قرون من الاستمرارية

في برشلونة، يحمل تقليد Gegants تاريخاً موثقاً يمتد إلى 1424.

وتشير وثائق بلدية برشلونة إلى أن Llibre de les Solemnitats de Barcelona يتضمن في ذلك العام الإشارة إلى مشاركة شخصية باسم “Lo rey David ab lo Giguant” في موكب عيد القربان، وهي الوثيقة التي تعتمد عليها المدينة باعتبارها أقدم إشارة مكتوبة إلى عملاق احتفالي في برشلونة وأوروبا.

وفي 2024 أحيت برشلونة مرور 600 عام على هذه الإشارة من خلال برنامج من المعارض والفعاليات، من بينها معرض تناول تاريخ العمالقة وحاضرهم ومستقبلهم.

المهم هنا أن التقليد لم يبقَ على صورته الأولى.

فبلدية برشلونة نفسها تصف تطور عالم العمالقة عبر القرون، وكيف اكتسب التقليد معاني جديدة حتى أصبح أحد الرموز البارزة للهوية الاحتفالية للمدينة.

وهذا يفسر جزئياً قدرة التراث على الاستمرار اقتصادياً: المنتج يتغير ويتطور مع كل جيل، بينما تبقى القصة الأساسية قابلة للتعرف عليها.

شخصيتان عملاقتان تقليديتان تسيران في موكب شعبي في كتالونيا وسط فرقة موسيقية وجمهور
العمالقة في كتالونيا.. تقليد احتفالي يمتد لقرون ويتجدد في شوارع المدن والبلدات الكتالونية.

من برشلونة إلى فالنسيا.. عندما يصبح الاحتفال سلسلة قيمة

إذا كانت الأبراج البشرية تقدم مثالاً على استمرار المهارة والمعرفة، فإن Las Fallas في فالنسيا تقدم مثالاً أوضح على كيفية تحول الاحتفال إلى نشاط اقتصادي قابل للقياس.

فالحدث لا يقتصر على الأيام التي تملأ فيها المجسمات الضخمة شوارع المدينة. وراء كل مجسم توجد سلسلة طويلة من الأنشطة والمهارات: التصميم، النحت، صناعة الملابس، الخدمات اللوجستية، النقل، المطاعم، الفنادق، التجارة، الأمن والإنتاج الثقافي.

وهذا ما يجعل الأثر الاقتصادي للمهرجان يتجاوز قيمة ما ينفقه الزائر مباشرة.

دراسة مرتبطة بـجامعة فالنسيا والمعهد الفالنسي للأبحاث الاقتصادية IVIE قدرت الأثر الاقتصادي الإجمالي لـLas Fallas في 2023 بنحو 732.6 مليون يورو، مع ارتباط النشاط بنحو 6,500 فرصة عمل.

وهنا يجب التمييز بين الأثر الاقتصادي والإيرادات أو الأرباح. الرقم لا يعني أن منظمي المهرجان حققوا 732.6 مليون يورو، بل يشير إلى النشاط الاقتصادي الذي تولد بصورة مباشرة وغير مباشرة نتيجة الاحتفال وفق منهجية الدراسة.

ليست المجسمات وحدها هي المنتج

القيمة الاقتصادية لـLas Fallas لا تأتي فقط من مشاهدة المجسمات.

فالزائر الذي يصل إلى فالنسيا يحتاج إلى مكان للإقامة، ويتنقل داخل المدينة، ويتناول الطعام، ويشتري المنتجات، وقد يمدد إقامته أو يضيف إلى رحلته تجارب أخرى.

وبذلك تتحول الفعالية إلى منصة لتحريك قطاعات اقتصادية متعددة في وقت واحد.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل دراسة أثر المهرجانات أكثر أهمية من مجرد حساب عدد الحاضرين.

سان فيرمين.. عندما تقاس الاحتفالات بمئات ملايين اليورو

في بامبلونا، يقدم San Fermín نموذجاً آخر، وربما أكثر وضوحاً، على العلاقة بين الاحتفال والنشاط الاقتصادي.

وفق دراسة عرضتها بلدية بامبلونا حول نسخة 2025، بلغ عدد المشاركين المختلفين في الاحتفالات نحو 424,369 شخصاً، بينما وصل الأثر الاقتصادي الإجمالي إلى 259.4 مليون يورو.

ولم يأتِ هذا الإنفاق من مصدر واحد.

قطاع الضيافة كان أحد أبرز المستفيدين، إلى جانب الإقامة والتجارة والنقل والأنشطة السياحية.

وقدرت الدراسة الأثر الناتج عن المهرجان في الناتج المحلي الإجمالي لنافارا بنحو 157.4 مليون يورو، إضافة إلى أثر على الإيرادات العامة والعمالة.

هذه الأرقام تشرح لماذا لا يمكن النظر إلى San Fermín باعتباره مجرد احتفال تقليدي يستمر تسعة أيام.

وراء الأيام التسعة توجد شبكة اقتصادية تستعد قبل الحدث، وتعمل أثناءه، وتستفيد من السمعة التي يبنيها عاماً بعد عام.

إنفوغراف يوضح الأثر الاقتصادي للمهرجانات الإسبانية ومساهمتها في السياحة والاقتصاد، مع مقارنة بين Las Fallas وSan Fermín
من التراث إلى الاقتصاد: المهرجانات الإسبانية تولد آثاراً اقتصادية تمتد إلى السياحة والضيافة والتجارة والخدمات.

الزائر لا يشتري المهرجان فقط

هذه نقطة مركزية في اقتصاد الاحتفالات.

الزائر لا يدفع بالضرورة مقابل الدخول إلى المهرجان، لكنه ينفق على سلسلة من الخدمات التي تجعل وجوده في المدينة ممكناً وممتعاً.

وهنا تتحول قيمة الحدث من منتج ثقافي إلى مولد للطلب الاقتصادي.

كلما كانت الإقامة أطول، والإنفاق موزعاً على عدد أكبر من القطاعات، زاد الأثر المحتمل على الاقتصاد المحلي.

ولهذا فإن تقييم المهرجانات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الزوار، بل يجب أن يشمل مدة الإقامة، والإنفاق، ونوع الخدمات المستخدمة، ومدى استفادة الشركات المحلية.

قادس.. حين يتجدد المنتج الثقافي كل عام

في قادس، تأخذ قصة الاحتفالات الإسبانية مساراً مختلفاً.

ففي Gran Teatro Falla لا ينتظر الجمهور عرضاً ثابتاً يعاد إنتاجه كل عام، وإنما مسابقة تقدم فيها الفرق محتوى جديداً في كل موسم.

إنه كرنفال قادس، وأحد أهم عناصره مسابقة COAC للفرق الكرنفالية.

وفي نسخة 2026، شاركت 182 فرقة ضمن الفئات المختلفة للمسابقة، التي تمر بمراحل متتالية وصولاً إلى النهائي.

لكن الرقم وحده لا يشرح أهمية النموذج.

الفرق تعيد كتابة النصوص، وتؤلف الأغاني، وتطور الشخصيات والعروض، وتستخدم السخرية والتعليق الاجتماعي للتفاعل مع أحداث العام.

أي أن الجمهور لا يعود فقط لأنه يحب المكان أو التقليد، بل لأنه يريد أن يعرف ماذا سيقول الكرنفال هذه المرة؟

كل موسم هو نسخة جديدة

هنا يتحول الإبداع نفسه إلى جزء من اقتصاد الاحتفال.

  • الفنان يكتب.
  • الفرقة تتدرب.
  • المسرح يستضيف.
  • الجمهور يشتري ويستهلك.
  • وسائل الإعلام تنقل.

والمدينة تستقبل زواراً يبحثون عن تجربة لا يمكن الحصول عليها بالطريقة نفسها بعد عام. وهذا يخلق أحد أهم عناصر الاستدامة السياحية: التجدد.

فالمهرجان الذي يقدم الشيء نفسه حرفياً كل عام قد يعتمد على جمهوره الحالي فقط، بينما يستطيع الحدث الذي يتغير محتواه باستمرار أن يمنح الزائر سبباً للعودة.

فرق كرنفال قادس ترتدي أزياء ملونة خلال عرض شعبي في أحد شوارع المدينة
كرنفال قادس.. حين يتحول الإبداع الشعبي إلى صناعة ثقافية تتجدد عروضها عاماً بعد عام

إشبيلية.. من معرض للماشية إلى علامة احتفالية

وتقدم Feria de Abril في إشبيلية قصة أخرى عن تطور الاحتفال.

عندما بدأت عام 1847، لم تكن فعالية سياحية عالمية بالمعنى الحالي. كانت معرضاً تجارياً للماشية، وأقيمت نسختها الأولى بـ19 خيمة.

لكنها تطورت تدريجياً، وتحول النشاط التجاري إلى احتفال اجتماعي وثقافي واسع.

واليوم، أصبحت الـcasetas، والفلامنكو، والملابس التقليدية، والموسيقى، والطعام عناصر مترابطة في تجربة واحدة تحمل اسم إشبيلية إلى جمهور دولي.

وهنا تكمن إحدى أهم الأفكار التي تفسر نجاح هذه الاحتفالات:

الهوية لم تكن عائقاً أمام التطور التجاري؛ بل أصبحت جزءاً من القيمة التي يشتريها الزائر.

فالزائر لا يأتي إلى فيريا إشبيلية لمشاهدة فعالية يمكن نقلها إلى أي مدينة أخرى.

إنه يأتي إلى إشبيلية تحديداً لأن الاحتفال مرتبط بتاريخ المدينة وثقافتها وشخصيتها.

ما الذي يجمع هذه الاحتفالات المختلفة؟

من برشلونة إلى إشبيلية وفالنسيا وبامبلونا وقادس، تبدو الاحتفالات مختلفة تماماً في الشكل، لكنها تتشارك مجموعة من الخصائص.

أولاً: الاستمرارية.
الاحتفال لا يبدأ كل عام من الصفر، وإنما يستند إلى معرفة وتجربة متراكمة.

ثانياً: التجدد.
التقليد لا يعني تكرار النسخة السابقة حرفياً. تتغير التقنيات، والموسيقى، والعروض، وأحياناً حتى طريقة تقديم الحدث.

ثالثاً: المشاركة المحلية.
في كثير من هذه الفعاليات، لا يكون السكان مجرد جمهور، بل جزءاً من عملية الإنتاج نفسها.

رابعاً: الاقتصاد المحيط.
الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات الثقافية تستفيد من تدفق الزوار والنشاط الإضافي.

خامساً: بناء العلامة.
بعد عقود أو قرون من الاستمرارية، يصبح اسم المهرجان نفسه مرتبطاً بالمدينة.

وهذا النوع من الأصول يصعب بناؤه بسرعة، لأنه يعتمد على الوقت والذاكرة والتراكم الاجتماعي.

ماذا يعني هذا للمستثمر؟

من زاوية المستثمر العربي، لا تكمن أهمية هذه التجربة بالضرورة في الاستثمار المباشر في مهرجان بعينه.

الفرصة الأوسع قد تكون في الاقتصاد الذي ينشأ حول الفعاليات.

الضيافة والتجارب الثقافية يمكن أن تنشأ منتجات سياحية متخصصة حول الاحتفالات، تجمع بين الإقامة والتجربة الثقافية والخدمات الموجهة إلى أسواق محددة.

السياحة العائلية تمثل العائلات سوقاً يمكن أن يستفيد من منتجات أكثر تنظيماً، خصوصاً عندما تكون الفعالية جزءاً من رحلة أطول تشمل برشلونة أو مدناً أخرى.

المحتوى متعدد اللغات كلما أصبحت الفعالية أكثر حضوراً دولياً، زادت الحاجة إلى شرح السياق الثقافي للجمهور الذي لا يعرف اللغة أو التقاليد المحلية.

وهنا يمكن أن تظهر فرص في الإعلام، والإرشاد، والمحتوى الرقمي، والتسويق المتخصص.

الخدمات والفعاليات هناك أيضاً قطاعات مرتبطة بالإنتاج والتنظيم والتقنيات والخدمات اللوجستية والتسويق والرعاية.

لكن من المهم الفصل بين وجود فرصة محتملة وبين إثبات وجود فرصة استثمارية جاهزة.

الأرقام المتاحة تثبت أن بعض المهرجانات تولد نشاطاً اقتصادياً كبيراً؛ لكنها لا تثبت تلقائياً أن كل قطاع محيط بها مربح، أو أن الاستثمار فيها مناسب لكل مستثمر.

الدرس الإسباني.. لا تستثمر في يوم الاحتفال فقط

ربما تكون هذه هي الخلاصة الاقتصادية الأهم. المهرجان نفسه قد يستمر أياماً قليلة. لكن الاقتصاد الذي يدور حوله يعمل لفترة أطول بكثير.

الفنانون يبدأون التحضير قبل أشهر.

الفنادق تستعد للموسم.

الفرق تتدرب.

الشركات تجهز الخدمات.

البلديات تخطط للنقل والأمن.

وسائل الإعلام تنتج المحتوى.

والسياح يخططون للرحلة مسبقاً.

وهكذا يصبح الحدث الذي يبدو قصيراً زمنياً سلسلة اقتصادية تمتد على مدار العام. وهذا ما يفسر لماذا يمكن لفعالية ثقافية أن تنتج أثراً اقتصادياً أكبر بكثير من حجم الإنفاق المباشر داخلها.

التراث كأصل يصعب تقليده

يمكن بناء فندق خلال سنوات. ويمكن إطلاق مطعم خلال أشهر. ويمكن شراء حملة إعلانية خلال أيام.

لكن لا يمكن بناء تقليد اجتماعي عمره مئات السنين بهذه السرعة. وهذه واحدة من أهم القيم الاقتصادية غير المباشرة للتراث. فالوقت نفسه يصبح جزءاً من المنتج.

Castells لا يمكن فصلها عن تاريخ كتالونيا.

Gegants لا يمكن فصلهم عن ذاكرة برشلونة.

Feria de Abril لا يمكن نقلها ببساطة إلى مدينة أخرى.

وكرنفال قادس يستمد جزءاً من قيمته من الطريقة التي تفاعل بها سكان المدينة مع هذا التقليد عبر أجيال.

لهذا فإن المدن التي تمتلك تراثاً حياً تمتلك أصلاً ثقافياً يصعب على المنافسين نسخه بمجرد إنفاق المزيد على التسويق.

لكن هذا الأصل ليس مضموناً إلى الأبد.

فإذا فقد التقليد قدرته على التطور، أو أصبح مجرد عرض مصمم للسائح من الخارج، فقد تبدأ قيمته الثقافية بالانخفاض، ومعها جزء من جاذبيته الاقتصادية.

أفضل ما في الاحتفال ليس ما يحدث خلاله

تكشف تجربة الاحتفالات الشعبية في إسبانيا عن اقتصاد لا يظهر بالكامل في منصات بيع التذاكر أو أعداد الحاضرين.

القيمة الحقيقية تتوزع بين الثقافة والسياحة والضيافة والتجارة والنقل والصناعات الإبداعية والخدمات.

أولاً، تثبت أرقام San Fermín وLas Fallas أن بعض الاحتفالات أصبحت قادرة على توليد آثار اقتصادية تصل إلى مئات ملايين اليورو، مع استفادة قطاعات تتجاوز النشاط الثقافي نفسه.

ثانياً، توضح تجربة Castells وGegants وكرنفال قادس أن استمرار التراث لا يعني إبقاءه ثابتاً؛ بل إن قدرته على التجدد عاماً بعد عام هي جزء أساسي من بقائه.

وبالنسبة إلى برشلونة وكتالونيا، وربما للمستثمرين الدوليين والعرب المهتمين بالسياحة والثقافة والضيافة، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: كم سائحاً يستطيع المهرجان أن يجذب؟

بل: كم قيمة اقتصادية وثقافية يمكن أن يبنيها من دون أن يفقد السبب الذي جعل الناس يأتون إليه أصلاً؟ وهنا بالضبط تتحول الاحتفالات من مجرد أيام في التقويم إلى أصول ثقافية قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية عاماً بعد عام.

اكتشف فرص السياحة الثقافية في كتالونيا وإسبانيا، وتواصل مع «كتالونيا بالعربي» لبحث فرص الشراكة والوصول إلى السوق العربي.

للشراكات والتعاون الإعلامي: partners@catalunyaenarab.com

لترتيب لقاءات B2B  والمزيد من المعلومات، تواصلوا معنا مباشرة عبر واتساب

أو املأ البيانات التالية حتى يتوصل معك أحد المختصين لدينا:

تابع «كتالونيا بالعربي» للحصول على أحدث الأخبار والفرص الاستثمارية في كتالونيا.

 

المصادر

Tags: #إسبانيا, Cádiz, Castells, La Mercè, Las Fallas, San Fermín, الاستثمار السياحي, السياحة, المهرجانات, برشلونة, كتالونيا

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

لوتجا دي مار:(Llotja de Mar) من “بيت صفقات البحر” إلى بوابة القرار الاقتصادي في برشلونة