رأي وتحليل

اقتصاد ينمو وحكومة تتعثر: هل تحوّل سانشيز إلى «انفلونسر»؟

لا توجد تعليقات

جميل نهرا | 5 أكتوبر ٢٠٢٦

عندما سأل الإعلامي الأمريكي جون ستيوارت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عمّا يؤرّق نومه، لم يُجب: «إبقاء زوجتي وأخي خارج السجن»، ولا: «عجزي عن إقرار موازنة عامة جديدة منذ عام ٢٠٢٣». ما يُبقيه مستيقظاً ليلاً، بحسب إجابته، هو القلق من الذكاء الاصطناعي، وخوارزميات شبكات التواصل، ومليارديرات التكنولوجيا الذين يستثمرون في الخلود ويحلمون بالمريخ.
يلخّص هذا المشهد مأزق القيادة الإسبانية الحالية: رئيس حكومة يتحدث بطلاقة عن مستقبل البشرية، بينما تتعثر قدرته على ترتيب أولويات الحاضر في بلاده. ومن هنا يبدأ السؤال: هل ما زلنا أمام مسؤول تنفيذي تُقاس قيادته بالقرارات والنتائج، أم أمام «مؤثر سياسي» يبحث عن التصفيق الدولي فيما تتراكم الالتزامات في الداخل؟

تقدّم إسبانيا اليوم مفارقة تستحق التوقف: اقتصاد يواصل النمو، وحكومة تجد صعوبة في ترجمة وجودها السياسي إلى موازنة جديدة. وفي المسافة بين الأمرين، يظهر بيدرو سانشيز على المنصات الدولية، محاوراً ومعلّقاً ومدافعاً عن رؤيته للعالم، بينما يبقى السؤال الداخلي أكثر بساطة: ماذا تستطيع حكومته أن تنجز؟

خلال زيارته إلى نيويورك في سبتمبر، ظهر رئيس الحكومة الإسبانية في مقابلة مع جون ستيوارت، والتقى عمدة المدينة زهران ممداني في مناسبة حملت خطاباً عن اقتصاد يخدم الأغلبية. حضور يمنح سانشيز مساحة لعرض مشروعه أمام جمهور دولي، لكنه يفتح أيضاً باب المقارنة بين قوة الخطاب خارج إسبانيا وصعوبة بناء التوافق داخلها.

ليس الاعتراض على سفر رئيس الحكومة أو مخاطبته الإعلام الأجنبي. الاعتراض يبدأ عندما تصبح الصورة الدولية أكثر إقناعاً من الحصيلة الداخلية، وعندما تبدو إدارة الانطباع أسهل من إدارة الأغلبية البرلمانية.

الموازنة الغائبة وراء الحضور الإعلامي

تستمر إسبانيا في العمل بموازنة عام ٢٠٢٣ بعد تمديدها إلى ٢٠٢٦. وهذا ليس توصيفاً معارضاً، بل واقع تثبته وثائق وزارة المالية نفسها. كما وثّقت الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، في يونيو، أن الحكومة لم تكن قد عرضت مشروع موازنة للتصويت خلال الولاية التشريعية الحالية.

لا يعني تمديد الموازنة توقف الدولة. تستمر الخدمات والإنفاق، وتوجد آليات لتعديل الاعتمادات. لكن استمرار الإدارة لا يعوّض الوظيفة السياسية للموازنة: تحديد الأولويات، وتوزيع الموارد، وإخضاع الخيارات لنقاش برلماني واضح.

هنا يظهر موضع الضعف. تستطيع الحكومة تقديم خطاب متماسك عن مستقبل العالم، لكنها تواجه صعوبة في تأمين التوافق على الأداة التي يفترض أن تنظّم أولوياتها في الداخل.

والتصفيق في نيويورك، مهما ارتفع، لا يمنح صوتاً إضافياً في مجلس النواب الإسباني.

اقتصاد ينمو… لكن لمن يعود الفضل؟

في المقابل، لا تسمح البيانات بوصف الاقتصاد الإسباني بأنه في غيبوبة. وفق الأرقام التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء في ٢٥ سبتمبر، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٠٫٧٪ خلال الربع الثاني من ٢٠٢٦ مقارنة بالربع السابق، وبنسبة ٢٫٦٪ على أساس سنوي. وأسهم الطلب المحلي إيجابياً في النمو السنوي، بينما كانت مساهمة الطلب الخارجي سالبة.

وتظل السياحة رافداً كبيراً للنشاط الاقتصادي؛ فقد استقبلت إسبانيا نحو ٩٦٫٨ مليون سائح دولي في ٢٠٢٥، بزيادة ٣٫٢٪ عن العام السابق. وهذا رقم لعام مكتمل، وليس حصيلة عام ٢٠٢٦.

لكن القول إن الحكومة صنعت هذا النمو وحدها اختزال سياسي، كما أن الجزم بأنها لا تستحق أي فضل يحتاج إلى دليل لا توفره هذه الأرقام.

الاقتصاد حصيلة عمل الشركات والعاملين، والاستهلاك والاستثمار، والسياسات العامة، والظروف الأوروبية والدولية. ولا يمكن فصل مساهمة كل عنصر بمجرد قراءة معدل النمو.

ما يمكن قوله بثقة هو أن استمرار النمو لا يثبت وحده جودة الأداء الحكومي. فقد يمتلك الاقتصاد قدرة على الحركة تتجاوز تعثر التفاوض السياسي. كذلك، لا تخبرنا زيادة الناتج وحدها كيف توزعت مكاسبها، أو مقدار التحسن الذي شعر به المواطن في حياته اليومية.

من رئيس حكومة إلى صانع محتوى؟

يمتلك سانشيز قدرة واضحة على تقديم خطاب يتجاوز الحدود الإسبانية. غير أن السياسة تصبح أقل قابلية للمحاسبة حين يطغى سؤال «كيف ظهر الزعيم؟» على سؤال «ماذا حقق؟».

هذا هو المقصود بظاهرة «المؤثر السياسي»: أن يحتل الانتشار مساحة أكبر من الإنجاز في تقييم القيادة، وأن تصبح المقابلة الناجحة حدثاً يغطي على تعثر القرار.

وفي ملف التكنولوجيا، توجد مساحة مشروعة للنقاش والمساءلة. فقد أعلن سانشيز في سبتمبر خطة «IA360»، داعياً إلى الإشراف على الذكاء الاصطناعي وإلى اتفاق وطني بشأن تحوّلاته. لذلك، فإن تقييم خطابه ينبغي أن يشمل ما تعلنه حكومته من إجراءات، ثم متابعة تنفيذها ونتائجها.

كما أن استخدام المنصات الرقمية لا يتناقض تلقائياً مع المطالبة بتنظيمها. التناقض السياسي يظهر عندما يطالب المسؤول الجمهور بالتفكير المتأني، بينما يختزل تقديم إنجازاته في مقاطع جذابة تتجنب الأسئلة الصعبة.

المعيار هنا هو الاتساق بين الخطاب والممارسة، وبين الإعلان والنتيجة.

ماذا تعني هذه المفارقة لكتالونيا؟

بالنسبة إلى كتالونيا، لا ينبغي اختزال قراءة المشهد في الإعجاب بسانشيز أو رفضه. السؤال العملي هو مدى قدرة المؤسسات على توفير قواعد واضحة، واتخاذ القرارات، وتنفيذ الالتزامات.

ومن زاوية الاستثمار، لا تكفي جاذبية البلد ولا معدل نموه لتقييم مشروع محدد. فالمشروع يحتاج إلى معرفة التكاليف، والطلب، وشروط الترخيص، والالتزامات التنظيمية، وقدرته على الصمود إذا تغيّرت الظروف.

ولهذا، فإن الاستنتاج بأن التعثر السياسي يلغي فرص الاستثمار متسرع، تماماً كافتراض أن النمو يجعل المخاطر السياسية بلا أهمية.

المطلوب قراءة تجمع بين الأمرين: الاعتراف بقدرة الاقتصاد على توليد النشاط، ومساءلة الحكومة عن قدرتها على تحويل هذا النشاط إلى استقرار وفرص أوسع.

أترى، تقام التماثيل للنيات؟

الإنجاز هو معيار القيادة، ليست المشكلة أن يمتلك رئيس الحكومة جمهوراً دولياً، بل أن يصبح هذا الجمهور بديلاً عن الإجابة أمام المواطنين.

وليس المطلوب أن يتوقف عن الحديث عن الذكاء الاصطناعي أو النظام العالمي، بل أن يقدّم للحاضرين في إسبانيا وضوحاً مماثلاً بشأن أولويات حكومته، ومواردها، وقدرتها على تنفيذ ما تعد به.

يمكن للاقتصاد أن ينمو بينما تتعثر الحكومة. لكن النمو لا ينبغي أن يصبح عذراً دائماً لتأجيل المحاسبة.

المؤثر يُقاس بقدرته على جذب الانتباه. أما رئيس الحكومة، فيُقاس بقدرته على تحويل الوعود إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج.

Tags: #إسبانيا, الاقتصاد الإسباني, السياسة الإسبانية, بيدرو سانشيز, كتالونيا

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

املأ هذا الحقل
املأ هذا الحقل
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
يجب الموافقة على الشروط للمتابعة

آندي ديكون لـ«كتالونيا بالعربي» حول تمويل العمل المناخي والذكاء الاصطناعي في المدن